ابن المقفع
201
آثار ابن المقفع
الأغنياء ولا سيما ذوي البخل والحرص منهم الذين ما بيوتهم وخزائنهم إلا مدافن لأموال حبسوها فلا انتفعوا بها ولا تركوها للناس . فهلم بنا إلى أحد هؤلاء ودعوا هذا الحطام « 1 » الذي لا خير فيه واغتنموا أجر هذا الرجل المسكين . فقالوا كلهم : صدقت وأحسنت . وتظاهروا أنهم يفكون الأحمال وخرجوا وكمنوا ينتظرون نوم الرجل . وإن الرجل لما سمع كلامهم وثق به وأطمأن إليه واعتقد أنهم خرجوا فسكن ونام . ولبث اللصوص حتى أيقنوا أنه قد نام فثاروا « 2 » إلى الأحمال فاحتملوها وفازوا بها . وإنما ضربت لك هذا المثل إرادة الا تكون الرجل الذي كذب بما رأى وصدق بما سمع . فلم يلتفت الملك إلى قوله وأمر بالغراب ان يحمل إلى منازل البوم ويكرم ويستوصى به خيرا . ثم إن الغراب قال للملك يوما ، وعنده جماعة من البوم وفيهن الوزير الذي أشار بقتله : أيها الملك ، قد علمت ما جرى علي من الغربان وانه لا يستريح قلبي دون الاخذ بثأري منهن ، واني قد نظرت في ذلك فإذا بي لا أقدر على ما رمت لأني غراب . وقد روي عن العلماء أنهم قالوا : من طابت نفسه بأن يحرقها فقد قرب للّه أعظم القربان ، لا يدعو عند ذلك بدعوة ألا استجيب له . فان رأى الملك ان يأمرني فأحرق نفسي وأدعو ربي ان يحولني بوما فأكون أشد عداوة للغربان وأقوى بأسا عليهن لعلي أنتقم منهن . فقال الوزير الذي أشار بقتله : ما أشبهك ، في خير ما تظهر وشر ما تضمر بالخمرة الطيبة الطعم والريح المنقع « 3 » فيها السم . أرأيت ، لو احرقنا جسمك بالنار ، ان جوهرك وطبعك متغير ؟ أو ليست أخلاقك تدور معك حيث درت وتصير بعد ذلك إلى أصلك وطينتك ؟ كالفأرة التي خيرت في الأزواج بين الشمس والريح
--> ( 1 ) الحطام : الشيء الرثيث . ( 2 ) ثاروا : هبوا ونهضوا . ( 3 ) المنقع : المخبوء .